اسماعيل بن محمد القونوي
12
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
والفاء مسبب عما قبله أي إذا علمت أن هؤلاء المجادلين كفرة فلا نلتفت إلى توسيع الرزق والربح في تجارتهم وحسن عيشهم فإنه استدراج كما هو عادتنا في الأشقياء المتمردين فإنهم مؤاخذون عن قريب والتغلب الخروج من أرض إلى أخرى الخطاب له عليه السّلام والمراد أمته أو تثبيته على ما كان عليه والمعنى فلا تغترر بظاهر ما ترى من تبسطهم في مكاسبهم ومتاجرهم ومزارعهم . قوله : ( وإقبالهم في دنياهم وتقلبهم في بلاد الشام واليمن بالتجارات المربحة ) في بلاد الشام إشارة إلى أن المراد كفار قريش وتقلبهم رحلة الشتاء لليمن ورحلة الصيف للشام قال تعالى : لِإِيلافِ قُرَيْشٍ إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ [ قريش : 1 ، 2 ] لكن الحكم عام لغير الكفار أيضا ولغير المكاسب أيضا كما أشرنا إليه . قوله تعالى : [ سورة غافر ( 40 ) : آية 5 ] كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجادَلُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ عِقابِ ( 5 ) قوله : ( فإنهم مأخوذون عما قريب بكفرهم أخذ من قبلهم كما قال : كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ [ غافر : 5 ] الآية ) أشار به إلى ارتباطه بما قبله وأنه دليل عليه يفيد العلم بأخذهم عن قريب إذ اتحاد السبب يؤدي إلى اتحاد المسبب . قوله : ( والذين تحزبوا على الرسل وناصبوهم بعد قوم نوح كعاد وثمود ) والذين تحزبوا أي اجتمعوا على الرسل للعداوة ولذا قال وناصبوهم أي عادوهم وآذوهم قوله بعد نوح إشارة إلى زيادة لفظة من في من بعدهم « 1 » ومرجع الضمير قوم نوح كعاد فإنهم بعد قوم نوح بدون واسطة وثمود بعد قوم عاد فهم أيضا بعد قوم نوح ( من هؤلاء وقرىء برسولها ) . قوله : فإنهم مأخوذون عما قليل بكفرهم بيان لمعنى الفاء في فلا يغررك الدالة على أن ما بعدها مسبب مما قبلها يعني لما بولغ في الحكم عليهم بالكفر صار ذلك سببا لأن يقال فلا يغررك لأن الكافر شقي مطلقا منغمس في لذات هذا العاجل غافل عن الآجل وعاقبته الدمار والعاقل لا ينظر إلى ظاهر الحال والتمتع بزهرة الحياة الدنيوية فالفاء جواب شرط محذوف وإليه أشار صاحب الكشاف بقوله إنهم لما كانوا مشهودا عليهم من قبل اللّه بالكفر والكافر لا أحد أشقى منه عند اللّه وجب على من تحقق ذلك أن لا ترجح أحوالهم في عينه ولا يغره اقبالهم في دنياهم وتقلبهم في البلاد بالتجارات النافقة والمكاسب المربحة وكانت قريش كذلك يتقلبون في بلاد الشام واليمن ولهم أحوال يتجرون فيها ويتربحون وإن مصير ذلك وعاقبته الزوال ووراءه شقاوة الأبد ثم ضرب لتكذيبهم وعداوتهم للرسل وجدالهم بالباطل وما ادخر لهم من سوء العاقبة مثلا كان من نحو ذلك من الأمم وما أخذهم به من عقابه وأحله بساحتهم من انتقامه .
--> ( 1 ) ويؤيده عدم ذكر من في قبلهم .